محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
170
بدائع السلك في طبائع الملك
في الغلب حال العصبية أن تكون في أحد الجانبين ، عصبية واحدة ، جامعة لكلهم . وفي الآخر عصائب متعددة والجانبان متقاربان في العدة ، فان الذي عصبيته واحدة ، أقوى من الذي عصائبه متعددة ، لوقوع التخاذل بينهم كما في الوحدان المفترقين الفاقدين للعصبية ، لتنزل كل عصابة منهم منزلة الواحد ، فيكون الجانب الذي عصابته متعددة ، لا يقام الذي عصبيته واحدة ، لأجل ذلك » « 270 » . قلت : في حديث وفد بني عبد الحرث بن كعب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا : لم نكن نغلب أحدا قال : بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم . قالوا : نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم . قال : صدقتم . مغلطة : قال : ولم يحمله على ذلك الا نسيان شأن العصبية في جيله وبلده ، وأنهم انما يريدون الدفاع والمطالبة إلى الوحدان والجماعة الناشئة عنهم لا يفترقون في ذلك عصبية ولا نسبا « 271 » مع أن هذا على تقرير صحته ، انما هو من الأسباب الظاهرة كاتفاق الجنسين في العدة ، وصدق القتال ، وشبه ذلك ، فكيف يجعله سببا كفيلا بالغلب ، وشيء من ذلك لا يعارض الأسباب الخفية من الحيل والخدع ولا الأمور السماوية من الرعب والخذلان الإلهي . فاعلمه وتفهم أحوال الكون « فالله يقدر الليل والنهار » « 272 » انتهى . استطراد : قال : ويلحق بمعنى الغلب ، في أن أسبابه خفية ، وغير خفية طبيعية ، حال الشهرة والصيت . فقل أن يصادف موضعها في أحد من
--> ( 270 ) نقل ما أورده الطرطوشي هنا عن « مقدمة » ج 2 ص 836 . ( 271 ) م . ن . ج : سببا . ( 272 ) اختلاف مع نص « مقدمة » ج 2 ص 836 .